محمد بن جرير الطبري
42
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
وإلا هتك قال : عبادتك ، ويقول : إنه كان يعبد ولا يعبد . وحدثنا سفيان ، قال : حدثنا ابن عيينة ، عن عمرو بن دينار ، عن محمد بن عمرو بن الحسن ، عن ابن عباس : " ويذرك وإلا هتك " قال : إنما كان فرعون يعبد ولا يعبد . وكذلك كان عبد الله يقرؤها ومجاهد . وحدثنا القاسم قال : حدثنا الحسين بن داود ، قال : أخبرني حجاج ، عن ابن جريج عن مجاهد قوله : " ويذرك وإلا هتك " قال : وعبادتك . ولا شك أن الإِلاهة على ما فسره ابن عباس ومجاهد ، مصدر من قول القائل اله الله فلان إلاهة ، كما يقال : عبد الله فلان عبادة ، وعبر الرؤيا عبارة . فقد بين قول ابن عباس ومجاهد هذا أن أله : عبد ، وأن الإِلاهة مصدره . فإن قال : فإن كان جائزا أن يقال لمن عبد الله : ألهه ، على تأويل قول ابن عباس ومجاهد ، فكيف الواجب في ذلك أن يقال ، إذا أراد المخبر الخبر عن استيجاب الله ذلك على عبده ؟ قيل : أما الرواية فلا رواية عندنا ، ولكن الواجب على قياس ما جاء به الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، الذي : حدثنا به إسماعيل بن الفضل ، قال : حدثنا إبراهيم بن العلاء ، قال : حدثنا إسماعيل بن عياش ، عن إسماعيل بن يحيى ، عن ابن أبي مليكة ، عمن حدثه ، عن ابن مسعود ، ومسعر بن كدام ، عن عطية العوفي ، عن أبي سعيد ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن عيسى أسلمته أمه إلى الكتاب ليعلمه ، فقال له المعلم : اكتب الله ، فقال له عيسى : أتدري ما الله ؟ الله إله الآلهة " . أن يقال : الله جل جلاله أله العبد ، والعبد ألهه . وأن يكون قول القائل " الله " من كلام العرب أصله " الإِله " . فإن قال : وكيف يجوز أن يكون ذلك كذلك مع اختلاف لفظيهما ؟ قال : كما جاز أن يكون قوله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي أصله : ولكن أنا هو الله ربي كما قال الشاعر : وترمينني بالطرف أي أنت مذنب * وتقلينني لكن إياك لا أقلي يريد : " لكن أنا إياك لا أقلي " فحذف الهمزة من " أنا " ، فالتقت نون " أنا " " ونون " لكن " وهي ساكنة ، فأدغمت في نون أنا ، فصارتا نونا مشددة ، فكذلك الله ، أصله الإِله ، أسقطت الهمزة ، التي هي فاء الاسم ، فالتقت اللام التي هي عين الاسم ، واللام الزائدة التي دخلت مع الأَلف الزائدة ، وهي ساكنة ، فأدغمت في الأَخرى التي هي عين الاسم ، فصارتا في اللفظ لاما واحدة مشددة ، كما وصفنا من قول الله : لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي القول في تأويل قوله تعالى : الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ قال أبو جعفر : أما الرحمن ، فهو " فعلان " ، من رحم ، والرحيم فعيل منه . والعرب كثيرا ما تبني الأَسماء من فعل يفعل على فعلان ، كقولهم من غضب غضبان ، ومن سكر سكران ، ومن عطش عطشان ، فكذلك قولهم رحمن من رحم ، لأَن " فعل " منه : رحم يرحم . وقيل " رحيم " وإن كانت عين فعل منها مكسورة ، لأَنه مدح . ومن شأن العرب أن يحملوا أبنية الأَسماء إذا كان فيها مدح أو ذم على فعيل ، وإن كانت عين فعل منها مكسورة أو مفتوحة ، كما قالوا من علم : عالم وعليم ، ومن قدر : قادر وقدير . وليس ذلك منها بناء على أفعالها ؛ لأَن البناء من " فعل يفعل " " وفعل يفعل " فاعل . فلو كان الرحمن والرحيم خارجين عن بناء أفعالهما لكانت صورتهما الراحم . فإن قال قائل : فإذا كان الرحمن والرحيم اسمين مشتقين من الرحمة ، فما وجه تكرير ذلك وأحدهما مؤد عن معنى الآخر ؟ . قيل له : ليس الأَمر في ذلك على ما ظننت ، بل لكل كلمة منهما معنى لا تؤدي الأَخرى منهما عنها . فإن قال : وما المعنى الذي انفردت به كل واحدة منهما ، فصارت إحداهما غير مؤدية المعنى عن الأَخرى ؟ قيل : أما من جهة العربية ، فلا تمانع بين أهل المعرفة بلغات العرب أن قول القائل والرحمن " عن أبنية الأَسماء من " فعل